ابن حجر العسقلاني

51

الإصابة

فهل بعد هذا كله يعقل ان يعبث الصحابة ، أو يقرون من يعبث بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . العامل الثامن : تعويدهم الصدق وترويضهم عليه عملا ، كما أرشدا إليه وأدبوا به فيما سمعوا علما والتربية غير التعليم ، والعلم غير العمل ، ونجاح الفرد والأمة مرهون بمقدار ما ينهلان من رحيق التربية ، وما يقطفان من ثمرات الرياضة النفسية والقوانين الخلقية ، واما العلم وحده فقد يكون سلاح شقاء ، ونذير فناء ، كما نرى ونسمع ولقد أدرك الاسلام هذه الناحية الجليلة في بناء الأمم فأعارها كل اهتمام ، وعني بالتنفيذ والعمل أكثر مما عني بالعلم والكلام . انظر إلى قول الرسول صل يا لله عليه وسلم لمن يدرسون العلم في مسجد قباء " تعلموا ما شئتم ان تعلموا فان يأجركم الله حتى تعلموا " ولقد مر بنا قبل ذلك الحديث عن الكذب ، وهو أنواع ، وشرع الله عقوبة من أشنع العقوبات لمن اقترف نوعا منه وهو الخوض في الاعراض ، وتكل العقوبة هي حد القذف الذي يقول الحق جل شانه فيه : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلده ولا تقلبوا لهم شهادة ابدا وأولئك هم الفاسقون ) أفبعد هذه التربية العالية يصح ان يقال : ان الصحابة يكذبون على الله ورسوله ، ولا يتثبتون ، الا ان هؤلاء من افكهم ليهربون بما لا يعرفون ، ويسرفون في تجريح الفضلاء واتهام الأبرياء ولا يستحون ، فويل لهم من يوهم الذي يوعدون العامل التاسع : القدوة الصالحة ، والأسوة الحسنة ، التي كانوا يجدونها في رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم ماثله كاملة ، جذابة أخاذة ، ولا شك ان القدوة الصالحة خير عامل من عوامل التعليم والتربية والتأديب والتهذيب . ولم يعرف التاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ولا أسوة أعلى ولا إمامة أسنى من محمد صلى الله عليه وسلم في كافة معناه الكمال البشري ، خصوصا خلقه الرضي ، وأدبه السني ، ولا سيما صدقة وأمانته وتحرية ودقته .